محمود محمود الغراب

55

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

العقلية ، وإن كان للطبيعة فيها أثر في أصل وجودها ، ولكن ليست لها في النفوس العاقلة تلك القوة إلا بالفهم ، فلا يحركه إلا الفهم ، والحركة انتقال من حال إلى حال ، أي من حال يكون عليه السامع ، إلى حال يعطيه سماعه عند كلام المتكلم ، وهو فيه بحسب فهمه ، فهو مجبور على الحركة ، ولهذا لا تسلّم الصوفية حركة الوجد الذي يبقى معه الإحساس بمن في المجلس ، حتى تسلم له حركته باللّه ، فمهما أحس تعين عليه أن يجلس ، إلا أن يعرّف الحاضرين بأنه متواجد لا صاحب وجد ، فيسلّم له ذلك ، ولكن لا تحمد هذه الحالة عندهم على كل حال ، لأنهم يكرهون الحركة في الأصل بنفس المتحرك ، ويحمدونها بالمحرك . ( ف ح 4 / 70 ) وللنغمات في الكلام الإلهي والقول أصل تستند إليه ، وهو أقوى الأصول ، ولهذا لها القوة والتأثير في الطباع ، فلا يستطيع أحد أن يدفع عن نفسه عند ورود النغمة - وتعلق السمع بها إذا صادفت محلها - ذلك الطرب أو الأثر الذي يجده السامع في نفسه ، فسلطانها قوي ، وذلك لقوة أصلها الذي تستند إليه ، فإن الأسماء الإلهية وإن كانت لعين واحدة ، فمعلوم عند أهل اللّه ما بينها من التفاوت ، ولما كان التفاوت معقولا فيها ، وعلم ذلك بآثارها ، علمنا أن الحقائق الإلهية التي استندت إليها هذه النغمات ، أقوى من الذي استند إليه الكلام ، فإنا نسمع قارئا يقرأ ومنشدا ينشد شعرا ، فلا نجد في نفوسنا حركة لذلك ، بل ربما نتبرم من ذلك في أوقات ، لأنه جاء على غير الوزن الطبيعي ، فإذا سمعنا تلك الآية أو الشعر من صاحب نغمة ، وفّى حقها في الميزان ، أصابنا وجد وحركّنا ، ووجدنا ما لم نكن نجد ، فلهذا فرقنا بين ما استندت إليه النغمات الطبيعية وبين ما استند إليه القول ، فإذا كان الرجل ممن يجد قلبه في النغمات ، وأعني بذلك وجود النغمة في الشعر وغيره ، حتى في القرآن ، إذا وجد قلبه فيه لحسن صوت القارئ ، ولا يجد قلبه فيه عندما يسمعه من قارىء غير طيب الصوت ، فلا يعول على ذلك الوجد ، ولا على ما يجد فيه من الرقة في الجناب الإلهي ، فإنه معلول ، وتلك رقة الطبيعة ، إلا إذا كان عارفا بالتفصيل ، ويفرق بين سماعه الإلهي والروحاني والطبيعي ، ما يلتبس عليه ولا يخلط ، ولا يقول في سماع الطبيعة إنه سماعه باللّه ، فمثل هذا لا يحجر عليه ، وتركه أولى ، ولا سيما إن كان ممن يقتدى به من المشايخ ، فيستتر به المدعي الكاذب ، أو الجاهل بحاله ، وإن لم يقصد الكذب .